يجري الحديث عن خصخصة العديد من القطاعات ومنها التعليم، وأحاول استيعاب المفاهيم المطروحة في هذا الشأن. من ناحية المبدأ؛ القطاع الخاص مساهم بشكل جيد في التعليم السعودي – لا أملك إحصائية دقيقة – ويعتبر رافداً اختيارياً، لمن رغب واستطاع توفيره، لكن الحكومة تلتزم بمجانية التعليم لجميع المواطنين.

تعريف الخصخصة هو بيع القطاع العام للقطاع الخاص أو تحويل الخدمة لتكون ضمن مسؤوليات القطاع الخاص، تملكاً وإدارة وتمويلاً. وإذا كانت الجهات المعنية تفكر بهذا الاتجاه فإنه يخشى تأثيره السلبي من الناحية الاجتماعية وماقد يقود إليه من حرمان شرائح من المجتمع من التعليم بسبب عدم قدرتها على شراء خدمة التعليم. خصخصة التعليم العام بأكمله غير موجود حتى في أعتى دول الرأسمالية، لذلك لا أعتقد حدوثه لدينا، واقترح استخدام مصطلحات دقيقة في هذا الشأن. ربما قضيتنا هي البحث في آليات جديدة في التمويل والتشغيل أو الإدارة، وليس التخصيص بالمعنى الحرفي للكلمة، كما أوضحت معناها أعلاه. أو ربما يكون الحديث عن زيادة مساهمة القطاع الخاص، من مبدأ زيادة الخيارات من جانب ودفع القادرين على تحمل بعض مسؤولياتهم في تمويل تعليم أبنائهم.

بنظرة عالمية نجد أن الحكومات تعتبر المساهم الرئيسي في تمويل التعليم العام؛ ففي كندا يشكل التمويل الحكومي للتعليم العام حوالي 78 % وفي الولايات المتحدة حوالي 70 % وفي أستراليا واليابان حوالي 76 % وفي المملكة المتحدة حوالي 85 % وفي دول مثل الدنمارك وبلجيكا وايطاليا وهولندا وفرنسا يرتفع التمويل الحكومي ليتجاوز 90 % بينما في دول مثل البرتغال وفنلندا والسويد والنمسا يتجاوز التمويل الحكومي نسبة 95 % من تمويل التعليم العام. الإحصائيات ليست حديثة هنا لكنها تمنحنا مؤشرات بأن التمويل الحكومي يشكل النسبة الأكبر لتمويل التعليم العام في أغلب دول العالم يشكل. إذاً لا بأس من مساهمة القطاع الخاص بنسبة معقولة، اقترح أن لا تزيد مساهمة القطاع الخاص لدينا عن 20 %؛ إلا إذا كان النموذج الذي نحتذي به هو كوريا ويبلغ التمويل الحكومي فيها للتعليم 57 % فقط!

إذاً الفكر الجديد المطلوب يتعلق بآليات التمويل وطرق إدارة وتشغيل مؤسسات التعليم – تركيزنا على التعليم العام. وهنا تأتي الاختلافات بين الدول وليس هناك ما يمنع من تجريب بعض النماذج التي أثبتت نجاحها في المملكة.

أحد الأفكار التي توجد في بعض الدول، تكمن في تأسيس الصندوق الوطني للتعليم، ومن خلاله يتم الصرف على الطالب بشكل منح دراسية في المكان الذي يختار الدراسة فيه، سواء مدرسة حكومية أم أهلية معترف بها. القضية هنا تتعلق بإعادة طريقة التمويل وتحديد آلية تشغيل المدارس وغير ذلك من الإجراءات التي تبدأ بتحديد كلفة تعليم الطالب السعودي في كل مرحلة، وهل ستغطي الدولة كافة التكاليف أم ستحمل المواطن جزءا منها؟

الجزء الآخر سيكون في كيفية تشغيل المدرسة الحكومية، هل سيكون جزئياً عن طريق الحكومة أم سيوكل للقطاع الخاص بأكمله بما في ذلك التوظيف والصيانة والمشاريع وغيرها. أحد المقترحات يكمن في البدء و بشكل تدريجي منح صلاحيات تشغيلية ومالية – برامج تشغيل ذاتية – لبعض المدارس المختارة حتى تنضج التجربة فتصبح المدرسة قادرة على الاستقلالية ويصبح بالإمكان معاملتها تحت نظام حكومي مستقل بحيث تقر ميزانية المدرسة بناء على عدد طلابها – ميزانية منح طلابية.

أحد النماذج التي يبدو أن وزير التعليم قصدها في أحد تصريحاته تتمثل فيما عرف بأمريكا وبريطانيا وكندا بـ Charter Schools وهي مدارس مستقلة يؤسسها ويديرها تربويون وفق مواصفات خاصة تختلف من دولة لأخرى، ويتم دعمها محليا عن طريق السلطات المحلية. ويعتقد أن نجاحها يأتي لكونها تتخلص من القيود الإدارية والتنظيمية الحكومية. الفكرة تعتبر متقدمة و تستحق عرض مزيد من تفاصيلها وكيفية موائمتها مع النموذج الإداري المحلي، ليتسنى استيعابها.

مساحة المقال انتهت، لكن الموضوع يحتاج نقاشا معمقا. ولنتذكر دائماً؛ في التعليم خيارات الحاضر تصنع المستقبل..

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

قضية إلحاق الدارسين على حسابهم الخاص ببرنامج الابتعاث، أخذت حيزًا كبيرًا من الجدل خلال العام المنصرم حتى صدور قرار مجلس الوزراء المؤيد لما رفعته وزارة التعليم في هذا الشأن. هذه القضية وغيرها تشير إلى أن موضوع الابتعاث ظل يحكمه إطار فكري واحد، يتمثل في تكفل الدولة بكافة نفقات المبتعث وأسرته أثناء ابتعاثه للحصول على درجة علمية قد تسبقها فترة لغة. لذلك أصبحت حلولنا وقت الأزمات الاقتصادية هي تقليص عدد المبتعثين، كما هو حاصل أو متوقع حدوثه خلال الفترة المقبلة.

لنأخذ مثالاً الدارسين على حسابهم الخاص؛ لماذا حصرنا الموضوع؛ إما في بعثة كاملة أو لا بعثة؟

لماذا لم نفكر في حلول وسطية أو مرحلية، كأن تتولى الحكومة دفع الرسوم الدراسية لمدة فصل أو فصلين وفي حال أثبت الطالب جديته وحقق المعدل المطلوب يمكن منحه مكافأة المبتعث، وهكذا. بالمثل الطالب المبتعث والمتأخر دراسيًا لأسباب تتعلق بإهماله، لماذا تكون حلولنا تمديد البعثة له لسنوات أو قطعها بالكامل؟ لماذا لا يخصم من المكافأة يشكل تدريجي، ربعها ثم نصفها وهكذا طالما هناك إمكانية أو أمل في تحسن أدائه.

بمعنى آخر، لماذا لا نفكر في إعادة إدارة موارد الابتعاث بطريقة مختلفة لتشمل عددًا أكبر عبر حلول مختلفة؟ لماذا لا نساعد من بدء الدراسة على حسابه الخاص بشكل جزئي وتدريجي؟ ما هو المانع أن نشرك المبتعث غير المنضبط في تحمل جزء من المسؤولية المادية؟

أطرح أسئلة للنقاش وربما تكون بعض الحلول في تصنيف الابتعاث إلى فئات؛ الفئة الأولى المتميزة تحصل على كامل الميزات والفئة الثانية تحصل على ميزات أقل وهكذا. مع إتاحة الانتقال من فئة لأخرى وفق الأداء والتميز.

الجانب الفكري الآخر في الابتعاث يتمثل في الإصرار على الابتعاث للحصول على درجات علمية. لماذا لا يكون الابتعاث لفترات مؤقتة، كأن يبتعث طلاب الجامعات المتميزين للدراسة لمدة فصل أو فصلين دراسيين بالجامعات الأجنبية؟ يعتقد البعض أن لدينا برامج محلية كافية في كثير من التخصصات، وما دام الأمر كذلك فنحن نحتاج إلى إكساب المتميزين بتلك البرامج تجارب وخبرات دولية. لماذا لا يكون هناك برنامج مرادف للابتعاث يتمثل في إكساب طلاب الجامعات المحلية المتميزين – وفق شروط محددة- خبرات دولية في الجامعات العالمية، عبر اتفاقيات تقوم بها الملحقيات في هذا الشأن…

الفكرة الثالثة التي لم تتغير في برنامج البعثات على مدى عقود طويلة، هي تكفل الدول ببرنامج الابتعاث. لماذا لا يبحث عن مصادر تمويل أخرى كأن تعقد شراكات مع القطاع الخاص المهتم بالمسؤولية الاجتماعية وعبر التبرعات وغير ذلك؟ لماذا لا يشمل برنامج الابتعاث ضمن برامجه قروضًا دراسية يسددها المبتعث بعد عودته للعمل داخل المملكة وبشكل ميسر، كما يحدث في كثير من دول العالم؟

الأفكار أعلاه مجرد رؤوس أقلام، ولكي تتحقق، أعيد المقترح الذي كررته على ثلاثة وزراء للتعليم، بأن يتم تحويل برنامج الابتعاث إلى هيئة – مؤسسة مستقلة، لها تطوير برامج الابتعاث والمنح، ولها تنمية مواردها وغير ذلك مما يمنح برامج المنح والبعثات الاستدامة المطلوبة. وقد تشرف المؤسسة المقترحة بحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان – حفظه الله-؛ «مؤسسة الملك سلمان للتبادل المعرفي». المؤسسة أو الهيئة قد تكون معنية بالابتعاث والتعاون الدولي المعرفي الخارجي وكذلك المنح الدراسية الداخلية والخارجية.

نحتاج أفكارًا مختلفة عن النمطية المعتادة وهذا الأمر يتطلب مرونة يصعب توفرها تحت المظلة البيروقراطية الحالية. مع التقدير بأن سياسات الهيئة المقترحة سيتم رسمها عن طريق مجلس إدارة برئاسة معالي وزير التعليم وعضوية الجهات ذات العلاقة…

أعلم بأنني أكرر فكرة سبق أن طرحتها؛ لكن نحن أمام وزير جديد نتفاءل – بحكم خلفيته الثقافية والمهنية – من قبوله للأفكار المختلفة سواء أتت في العلن، كما أفعل، أو خلف الأبواب كما يفضلها البعض. الفكرة هي الأساس وليس الشخص أو وسيلة طرحها!

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

لست متخصصاً في الاقتصاد، لكنني أهتم بالتنمية والنظم الصحية والتعليمية والاجتماعية، لذلك أنا لا أتحدث هنا كرجال الاقتصاد، بقدر ما أنا حذر من بعض الأفكار التي ربما تحتاج مزيداً من الوضوح. الحذر أو القلق هو أن يتم الفعل الاقتصادي على حساب بعض أوجه التنمية البشرية و الاجتماعية، وعدالة توزيع التنمية و الموارد المختلفة. التطوير كالمركبة، لا يمكنه السير على عجلة واحدة. أقرأ وأسمع أفكاراً في الخصخصة وتنويع الموارد وغيرها من الأفكار الاقتصادية أو المالية، لكنني أشعر بخفوت صوت الإصلاح الإداري والإصلاح التنموي والإصلاح الإجتماعي والإصلاح التشريعي، والإصلاح القضائي…

على سبيل المثال، النظم الصحية الناجحة على مستوى العالم هي تلك التي لم يسيطر عليها القطاع التجاري/ الخاص وبقيت تدار عن طريق الحكومات، بصيغة ما أو بأخرى. لكننا نسمع في ظل الحماس تجاه تقليص النفقات وتنويع الموارد، من يطالب بخصخصة الخدمات الصحية متناسين كونها خدمة اجتماعية يجب أن توفر للجميع و لا يمكن إخضاعها لمبدأ الربح والخسارة والتنافس التجاري البحت. أقول نحن نسمع، لأننا أمام غموض حول ماذا يريد المخطط الصحي؟ وماهي رؤيته أو خططه؟ وماهي تعريفاته للقضايا والمصطلحات؟

عندما يتحدث وزير الصحة في مؤتمر التنافسية لا أعرف أهو يتحدث عن أرامكو والبترول وعالم الشركات أم يتحدث عن الصحة كخدمة اجتماعية لها فلسفة مختلفة تماماً عن عالم الشركات؟ لا أدري ماهو تعريفه للخصخصة وهل هناك تفريق بين الخصخصة بمفهوم بيع القطاع العام للقطاع الخاص كما نعرفها؟ أم يتحدث عن (الأوت سورسينق) والذي تشتهر به الشركات من ناحية تنفيذ أعمالها عن طريق شركات متخصصة؟ أم يتحدث عن تأسيس شركات تشغيل صحي حكومية؟ أم يتحدث عن منح المستشفيات ميزانية مقطوعة واستقلالية في التشغيل؟

بعض ذلك ليس جديدا، حيث كانت بعض المستشفيات، ولازالت بعض خدماتها، تدار عن طريق شركات تشغيل صحية، كما أن فلسفة استقلالية المستشفى بدأت تحت مسمى التشغيل الذاتي وأعتبرها تجربة لم يستكمل تطويرها أو تجمدت عند مستوى محدد بسبب عدم استيعاب وزارة الصحة لها. هل تم دراسة تلك التجارب وسبب نجاحها أو فشلها، قبل الانطلاق نحو تجارب جديدة أو تكرار تجارب سابقة؟ هل من المنطق التخطيط للمستقبل الصحي دون قراءة التجارب السابقة ودون الإطلاع على التجارب الصحية العالمية، الناجح منها والفاشل؟

لدينا صعوبات إدارية في الصحة، لكن ذلك ليس مبرراً… الخدمة الصحية تبقى اجتماعية وليست تجارية. المشكلة الإدارية لها حلولها متى توفرت الإرادة وتم اختيار الطريقة الصحية للمعالجة. أعود لوجهة نظر عامة في الخصخصة بالسؤال؛ أيهما أولى تخصيص ( بيع) بعض مؤسسات القطاع العام الناجحة – كالتخصصي- للقطاع الخاص أم تأسيس خدمات جديدة عن طريق القطاع الخاص؟

أخشى أن تسحرنا فكرة تقليص عجز الموازنة ببيع أفضل منتجات الحكومة تحت مسمى الخصخصة، بدلاً من التأسيس لخطة اقتصادية مستقبلية تسهم في توليد الوظائف والتنمية المستقبلية. أخشى أن يكون هدف الخصخصة هو مجرد زيادة مداخيل الميزانية بطريقة سريعة وليس تحقيق أهداف تنموية كتوليد الفرص وتنمية البنية التحتية وتنمية المناطق الطرفية وتوزيخ الخدمات بشكل عادل..إلخ؟

المسارعة في تأسيس مشاريع كمترو جدة أو الدمام أو تخصيص بقية مترو الرياض، لن يمنح خزينة الدول دخلاً سريعاً كبيع/ تخصيص بعض مؤسسات القطاع العام الناجحة كأرامكو والتخصصي، لكنه سيولد وظائف وسيسهم في التنمية المستقبلية وسيخفف عبء التنفيد والتمويل عن كاهل الحكومة، حينما نوكل تنفيذه للقطاع الخاص مع إتاحة استثماره عن طريق القطاع الخاص وفق الطرق المعروفة في هذا المجال. ومثل ذلك ينطبق على شبكة قطارات بين المدن وتأسيس / تخصيص مطارات، ملاعب رياضية، مدن صناعية وغير ذلك من المشاريع المنتجة والمولدة للوظائف والمحققة لأهداف التنمية المختلفة. بمعنى آخر، أرى توجيه بوصلة التخصيص نحو تأسيس مشاريع جديدة، بدلاً من الإشتغال على بيع المؤسسات القائمة والناجحة.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

بعض التحقيقات الإعلامية ومثلها الأخبار والشكاوى وكتابة الرأي العام تساعد المسؤول على معرفة نبض الشارع وبعض القصور. لكنها حينما تكون غير موضوعية فإنها قد تضغط على المسؤول للتنازل عن الطريق الأفضل إتقاء لسياط الإعلام وخوفًا من تأثيره على أصحاب القرار الأعلى. أحيانًا يخشى المسؤول الأدنى التأثير على المسؤول الأعلى منه، وهكذا. في بعض الحالات يستطيع إعلامي صغير أو شخص – أشخاص لهم علاقة بإعلاميين إرباك جهة ما بتكثيف النقد السلبي لها، وخصوصًا مع توسع مساحة وقنوات الإعلام والجنوح نحو الإثارة، فما بالنا حينما يأت ذلك من كتاب يصنفون كبارًا.

ساستخدم مثالاً لقضية الضغط الإعلامي على هيئة التخصصات الصحية. وبالمناسبة أنا لست صديق الهيئة، وسبق أن طرحت وسأطرح ملاحظات تتعلق بها. لكن اسأل؛ هل مطالبة الهيئة بتسهيل نجاح الأطباء أو الفنيين الصحيين في اختباراتها، هو الحل لإصلاحها وإصلاح المهن الصحية؟ لماذا يتحول الكاتب الصحفي الكبير إلى مجرد شخص يستمتع بوقته في صالونات المجتمع يقرأ صحيفـتـين إلكترونيتين فيعتبرهما مرجعه أو يتعاطف مع شخص أو شخصين تواصلا معه فتأخذه العاطفة لتبني قضيتهم وسن سهامه القاسية ضد جهة ما، دون أن يبذل جهدًا أكبر في تتبع المعلومة واستيعاب أبعادها وقراءة التقارير وسؤال أهل الخبرة والتخصص وليس مجرد الأصدقاء منهم؟ إلا يطرح تساؤلاً أثاره كتاب أصدقاء، تكرار نفس الموضوع بنفس الفكرة وفي نفس الجريدة وخلال أيام قليلة؟ لماذا يخلط أحدهم الأوراق ويهول الأمر وكأن الهيئة مسؤولة عن افتتاح المستشفيات وإنجاح المشروعات المتعثرة، بل ويؤلف أرقامًا غير دقيقة مثل القول المضحك بوجود 30 ألف استشاري كندي عاطل عن العمل؟

هل هناك رسوب كبير

في اختبارات الهيئة؟

ربما يكون، لكن السؤال من هو المذنب في ذلك؟ هل تتحمل الهيئة وحدها الذنب في ذلك؟ هل نظل نستخدم شماعة نقص الممارسين الصحيين لنضغط باتجاه تخريج كفاءات غير متميزة؟ عندما يحدث الخطأ الطبي فإن أول من يكتب ضد القطاع الصحي هو ذلك الشخص الذي يضغط على الهيئة ويتهمها بمختلف التهم لأنها كانت صارمة في معاييرها. لن يتذكر حينها أنه أول من تعاطف وطالب بتسهيل اختبارات المتدربين ومنحهم رخص الممارسة الصحية بيسر وسهولة بغض النظر عن الجودة.

الجامعة والمعهد والمستشفى والقطاعات الصحية جميعها مسؤولة عن فشل تدريب الطبيب أو الفني أو الممرضة، وليس هيئة التخصصات الصحية وحدها. ربما تكون الهيئة قامت ببعض التغييرات في طريقة اختباراتها لأنها لاحظت ضعفًا في الأطباء بسبب ازدياد المخرجات وضعف برامج التدريب، أو ربما هي قامت باستقطاب أصحاب فكر حديث في التعليم والتدريب. هذه مسؤوليتها نحو تجويد عملها، وواجبنا الدعم أو النقد الإيجابي، وبالذات وهي تمنح أكثر من فرصة للمتدرب لتحسين وضعه. القطاع التعليمي والتدريبي الصحي كمنظومة يعاني والهيئة لن تستطيع إصلاحه لوحدها- بالذات في ظل ضخامة مسؤولياتها وتواضع نظامها- وما أخشاه أن تتنازل عن بعض المعايير المطلوبة نتيجة الضغوط التي تواجهها.

وللتذكير؛ وزارة التعليم وقفت صارمة سنوات طويلة ضد التوسع في التعليم التجاري وبالذات الصحي منه، ولكن أمام الضغوط تم التنازل عن القناعات العلمية والمهنية. هذه هي الحقيقة؛ الضغوطات المجتمعية والإعلامية وتنازل المسؤول عن قناعاته خوفًا من الضغوطات قاد إلى التنازلات فامتلأت الشوارع بدكاكين التعليم الصحي حكومية وتجارية. وذات الإعلام الذي كان يضغط بالتوسع في هذا المجال يشتكي الآن من سوء المخرجات وتحت ضغط العاطفة يريد أن (نطبطب) على خريجي تلك (الدكاكين) لنمنحهم رخص الممارسة والترقية على حساب الجودة والمعايير الصارمة.

أكتب هنا عن المبدأ وليس عن أداء هيئة التخصصات. الهيئة ليست مؤسسة مثالية خالية من القصور، وسأشرح في مقالات قادمة رؤيتي في تطويرها، لا هدمها وتحميلها كل أوزار القصور في النظامين التعليمي والصحي…

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

عندما نتطرق للمشاكل الصحية، ونجد اللجوء لخبرات جهات هنا أو هناك، نسأل اين ذهبت المدرسة؟ هل توارت خجلاً أم توارت شيخوخة؟ هل توارت اختياراً أم نسياناً من قبل من لم يقدر قيمتها؟

ومن يتابعني يعرف أن المدرسة هي مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث. وللتذكير فإن تلك المدرسة هي التي تخرجت منها القيادات التي وضعت مدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني في ركب المقدمة والقيادة التي أسست مدينة الملك فهد الطبية الحديثة وتلك التي أعادت انتشال مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام من عثرته الأولى وهي التي أسهمت في تأسيس مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة وغيرها من المؤسسات الصحية الحكومية والأهلية الرائدة. التخصصي كان المصدر للكفاءات القيادية والمرجع الذي تم الاستفادة من أنظمته وسياساته وخبراته، والنموذج في كثير من القضايا والممارسات الطبية والإدارية.

لازال التخصصي مدرسة – في الواقع وفي وجداني- لكنه عبر مسيرته تعرض لهزات وتراجع، لأسباب بعضها خارجية وبعضها داخلية. لا أريد التوسع في الأسباب الخارجية، لكن الأكيد أن التخصصي تعرض لمنافسة بطرق متعددة بعضها لم يكن بريئاً بما فيه الكفاية، كما أن تحويله إلى مؤسسة عامة والتدخل لتوحيد كادره وبعض نظمه مع كادر القطاعات الصحية الأخرى ومع بعض أنظمة الدولة البيروقراطية، أفقده بعض تحليقه المعتاد. لكن دعونا نتجاوز ذلك إلى عوامله الداخلية.

أحد أكبر مقومات التخصصي كانت في تأسيس مركز ابحاث مصاحب له منذ البداية. ويفترض ان يكون ذلك المركز – عطفاً على عمره وماحظي به من دعم ومن اعتباره ضمن أرقى منظومة صحية سعودية- مرجعاً للبحوث الطبية وللسياسات الصحية السعودية. بل أتذكر أنني طالبت بتحويله لمركز وطني للبحوث الطبية ولدراسات الصحية. لكن المؤسف أن هذا المركز لم يقدم المأمول منه ولم تهتم به قيادات التخصصي.

تجمد فكر المركز وفقدت قياداته الوسطى فرصتها للتطوير، والمركز هو الرئيس. المركز حصر نفسه في أبحاث بيولوجية وعلوم أساسية وطبية، ولم يتطور لمركز وطني متقدم. عطل التخصصي بقصد أو بدون قصد أحد أهم أجنحته التي كان يفترض أن يحلق بها لتحقيق الريادة الوطنية وأكتفى بالأبحاث التي تناسب مركز أبحاث كلية علوم وليس مركز ذا ريادة وطنية. أريد أن أنصح وزارة الصحة للاستفادة من مدرسة التخصصي، لكن أخشى أن يلتفت أحدهم إلي فيقول وأين هي دراساته وأبحاثة التي يمكننا الاستفادة منها؟ أشعر بأن مركز أبحاث التخصصي – رغم تقديري لزملائي العاملين فيه- يخذلني كلما دافعت عن مدرسة التخصصي، لأنه لم يواكب تطور التخصصي في المجالات الأخرى.

الجانب الآخر الذي يخفي بعض إشراق التخصصي، يكمن في عدم تجديد فكره القيادي فأصبح يدار بوتيرة عادية، حجبت القيادات الوسطية المتميزة، أو قلصت آليات ترقية المتميز والمبدع منها. فمن عجيب الأمر أن يحتفظ التخصصي بقيادات تجازوت عمر التقاعد بينما تهرب بعض كفاءاته القيادية المتوسطة لتقود بنجاح مؤسسات أخرى حكومية وأهلية. طبعاً؛ التقدير للجميع ويجب الاستفادة من ذوي الخبرات الممتدة، بعد تقاعدهم في الأعمال الاستشارية وفي دعم مؤسسات أخرى بحاجة لفكرهم، لا أن يحتفظ بهم للأبد متربعين على المواقع التنفيذية.

هل أنا أنقد المدرسة التي تخرجت منها؟ أم أريد لفت انتباه وزارة الصحة إلى خبراتها؟

الواقع أنني أفعل الاثنين معاً لأقول لوزارة الصحة هذه مدرسة، فيها الدرر والخبرات والتنظيمات التي تفيدكم. عليكم التفتيش داخلها ولا تنخدعون بتواضع الدراسات ستجدون حقيقة كلامي بأن مدرسة التخصصي لديها كنوز كبرى و لم تصدأ بعد. بل إن أحد مهامكم، بصفتكم تتولون دفة رئاسة مجلس مؤسسة التخصصي، تجديد شباب المدرسة والاستفادة من كنوزها البشرية والتنظيمية والتدريبية والمهنية.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

بغض النظر عن التخصص أحسب أنني قارئ متذوق، أفهم معنى الرواية الجيدة من تلك المتواضعة. ومثل غيري تجذبني الأعمال التي يخدمها الإعلام وتخدمها الجوائز العربية، وفي مقدمتها الشهيرة بـ»البوكر». أحاول البحث في التميز الذي يمنح الفوز لرواية دون الأخرى أو يدخلها في القوائم الطويلة والقصيرة. أعزي نفسي حين لا يقنعني قرار لجان التحكيم، بأن النقاد الكبار يرون ما لا نراه من أسرار الرواية. وحتى عند سماع مشاكل اللجان الداخلية وحروبهم الإعلامية، أقول ربما ذلك جزء من اللعبة الإعلامية والمماحكات الثقافية.

بعد قرائتي لرواية الكاتب ناصر الظفيري «كاليسكا: القيوط يطارد غزالاً» تأكدت شكوكي بأن الجوائز العربية محكومة بالمجاملات أو المناطقية/ الأقليمية وبنفوذ الناشرين والممولين وغير ذلك من المعايير غير الفنية. لن أقول إن كاليسكا هي الأولى فلست مؤهلاً لهذا الحكم، لكن قراءتي لروايات فازت بالبوكر أو دخلت قوائمها، يجعل عدم دخول كاليسكا قوائم البوكر وكاتارا وغيرها من الجوائز أمر مخيب للآمال. بل يقودني للتشكيك علناً في مصداقية جوائز الرواية العربية واعتبارها غير قادرة على الارتقاء فوق مخاوف القائمين عليها ومجاملاتهم وإنحيازهم غير المهني. يبدو أنهم يهملون العمل الإبداعي لمجرد عدم توافقه مع الفكر السياسي أو التمويلي الذي يتقاطع مع مصالحهم.

هذا المقال ليس لتحليل ونقد رواية كاليسكا فذلك سيكون له مقام آخر. لكن كلمات بسيطة للقاريء غير المتخصص عنها؛ هي رواية تشدك قراءتها وكأنك تستمتع بعمل فني رائع الإخراج والحبكة. بل إن تلك الرواية تصلح بانوراما سينمائية ولو كتبت في بيئة متقدمة فنياً وثقافياً لرأيناها عملاً يتجاوز الحدود العربية. متعة فنية أخذتنا في رحلة من بيئة الجهراء إلى شمال أمريكا بسلاسة أحداث متميزة. مقاربة ذكية بين قضية إنسانية عربية -البدون- يسكت الجميع عن الإلتفات لمعاناتها وقضية سكان كندا الأصليين أو ما يسمون -بشكل خاطيء- الهنود الحمر.

هذه رواية تستحق أن تترجم لأنها محلية بنكهة عالمية وأراهن على أنها سترى النور بلغة ثانية قريباً. هي الثانية ضمن ثلاثية الجهراء بعد رواية الصهد. باحترافية عالية لم ينزلق المؤلف إلى وجع الغربة وألم التهميش الذي يعانيه أبطال العمل «البدون» فيتحول إلى واعظ أو منظر سياسي وإنما كتب يقص حكايات أبطاله وفي مقدمتهم عواد الذي حمل عوده وقضيته من الجهراء إلى سوريا ثم مونتريال قبل أن يستقر به المقام في أوتاوا. حبكة فنية ممتعة حتى ولو لم يلتفت القارئ أو يدرك محورها و إسقاطاتها على معاناة فئة يتم تهميشها عمداً رغم كل ما تقدمه من ولاءات لأوطانها. تلك الأوطان التي أحبوها رغم قسوتها تجاههم، أو كما قال بطل الرواية حينما أجاب السجان عن إعاقته بالقول «وطني هو إعاقتي الأبدية الوحيدة التي لن أشفى منها».

المثقف الحق، والجوائز الحقيقية تتلمس الأعمال التي تثير القضايا الإنسانية بحرفية عالية، وليست تصمت عنها أو تتجاوزها خشية إغضاب هذا أو ذاك. المثقف الصامت هنا لن يكون أفضل من سوط الرقيب الذي يخيفه الصوت الحر. أحد القيم الفنية العالية في كاليسكا هو عدم إنحراف خطها الدرامي عن مساره الذي خطط له لأجل خلق مشاهد إضافية اعتدناها في بعض الروايات العربية، ورغم ذلك ألصقوا بها تهمة لم يرها سواهم حين منعوها. أمر سيئ أن تمنع دخول عمل إبداعي والأسوأ عدم الجرأة بإعلان سبب المنع، وإنما الذهاب إلى محاولة تشويه عمل المثقف الذي يخيفك فكره. وهل يجرؤون القول بأن الرواية تحرج مواقفهم المعارضة للحقوق الإنسانية.

أشرت إلى أنني لا أكتب تحليلاً فنياً، لكن أشير باختصار إلى تميز وتمرس ناصر الظفيري في كتابة الرواية. أدهشني بأولى ثلاثية الجهراء -الصهد- وزادني قناعة بتميزه في كاليكسا. وأعتقد أنه أمر مقلق إهمال النقاد والمثقفين وعدم احتفائهم بهذا الكاتب المدهش وأعماله المتميزة.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

انتهيت في المقال السابق بطرح سؤال؛ ماذا يعمل هذا العدد الكبير من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود؟ ماهي انتاجيتهم التي تجعلنا ننفي تهمة التضخم عن الجامعة؟

قبل إكمال المقال؛ أوضح بأنني اكتب عن جامعة الملك سعود كنموذج والرسالة لجميع الجامعات وللجهات المعنية. أكتب رؤيتي بناء على قراءة مبسطة للأرقام المتاحة ولست أقصد تعميم السلبية على جميع إنتاج الجامعة وعلى جميع منسوبيها.

يبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس بجامعة سعود 7614 كما يبلغ عدد الطلاب -بما فيهم طلاب الدراسات العليا والذين يفترض أن نصنف نسبة كبيرة منهم مع أعضاء هيئة التدريس وليس الطلاب- 61704 طالب وطالبة. اي أن نسبة الطلاب لأعضاء هيئة التدريس يبلغ حوالي 8 طلاب لكل أستاذ. هذه نسبة تحلم بها أي جامعة! بل إن هذه النسبة تتقلص لتصل إلى أقل من طالبين لكل أستاذ بكلية الطب – عدد أساتذة الطب بدوام كامل 747 وطلابها 1433. الجامعة ليست مجرد مكان تدريس فقط، بل بحثية فكم هو حجم بحثها العلمي؟

أفضل طريقة لقياس ذلك، ولو تقريبياً تتمثل في عدد البحوث المنشورة. وفق تقرير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية للعام 2012م فإن إنتاجية جامعة الملك سعود من الأوراق العلمية بلغت 7226 ورقة علمية خلال الفترة من 2008 إلى 2012م أي بما معدله 1806 ورقة علمية سنوياً. وكيل جامعة الملك سعود للبحث العلمي صرح في أحد اللقاءات العام الماضي بأن الجامعة أنتجت 2500 ورقة بحثية. سنقدر المعدل مابين 2000 و 2500 ورقة بحثية و سنأخذ بالرقم الأعلى. أي أن 16 ألف عضو هيئة تدريس وطالب دراسات ينتجون 2500 بحثاً في العام الواحد، أقل من 0.2 بحث. ولو استبعدنا إنتاجية طلاب الدراسات العليا فهذا يعني أن عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود بمساعدة الفنيين وطلاب الدراسات العليا اللذين يعملون معه ينتج ورقة علمية واحدة كل ثلاث سنوات. هذا المعدل ولا نظلم الأساتذة ذوي الإنتاجية العالية، بعدة ورقات علمية سنوياً.

ماذا يعمل أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، مادام النصاب التدريسي لديهم منخفضا وأبحاثهم قليلة جداً؟

أحد التفسيرات هو أن أعضاء هيئة التدريس يعملون في أعمال إدارية وكأن 18973 موظفاً إدارياً وفنياً لا يكفون للقيام بالأعمال الإدارية والفنية، أو أنهم يعملون خارج الجامعة. للأسف الحقيقة تكمن في انشغال كثير من أعضاء هيئة التدريس خارج الجامعة في أعمال شخصية واستشارات و بالقطاع الخاص سواء جامعات أو مستشفيات أو غيرها. هذا أمر واضح بدليل أنه بالرغم من كون النسبة تبلغ طالبين لكل أستاذ بكلية الطب، إلا أن الطلاب والمرضى يشتكون عدم تواجد الاساتذة للقيام بواجباتهم الأكاديمية والمهنية بالجامعة والمستشفى ومثلهم يشتكي طلاب الدراسات العليا وتشتكي قاعات الدرس من تكرر غياب بعض الأساتذة. إضافة طبعاً للكسل وغياب الحافز للإبداع البحثي والأكاديمي. كأن الجامعة مجرد ضمان إجتماعي، أو أنها وسيط تعاقدات بالنسبة للقلة الذين يعملون خارجها وفق الأنظمة بعقود استشارية.

لا قيمة للجامعة دون الاستفادة من مواردها البشرية، وهي هنا غير قادرة أو غير مهتمة بالإستفادة منهم. ربما لعدم إدراك حجم المشكلة أو تواضع دوافع و أليات التطوير. نحن نتحدث هنا عن أرقام ظاهرة، وليس بمقدورنا في مقال صحفي فحص جودة الدراسات العليا وجودة المخرجات والأداء.

السؤال إلى الجهات ذات العلاقة؛ هل ترون الجامعة السعودية – وجامعة الملك سعود مجرد مثال- تدار بطريقة إحترافية من الناحية الإدارية والمالية والأكاديمية؟ كيف تكون الجامعات المصنع للتطوير ولصناعة الموارد البشرية التي تقودنا للمنافسة العالمية وهي بهذا التضخم والترهل؟

للأسف ليس هناك قياس لكفاءة الجامعة السعودية إدارياً وإقتصادياً واكاديمياً. نحتاج ثورة إدارية بالجامعات السعودية علها تقود إلى تطور علمي، يليق بما يصرف عليها وما هو مأمول منها…

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

بلغت ميزانية جامعة الملك سعود 8 مليارات العام الماضي، ولا نعلم ميزانيتها الحالية لعدم إعلان ميزانيات الجامعات هذا العام. لكن – على كل حال – لن يتأثر دخل الجامعة كثيراً، حيث مشروعاتها الرئيسة شبه مكتملة (كليات ومستشفيات وغيرها)، ويفترض أن تبدأ الجامعة في جني أرباح خطتها للأوقاف وشركات التقنية بحصولها على موارد إضافية.

لن أتطرق للجانب المالي، حيث سبق أن كتبت عنه متسائلاً عن مخرجات الجامعة مقابل ميزانية التسعة مليارات التي كانت تحصل عليها، وإنما عن التضخم الذي بلغته الجامعة مقابل تواضع إنتاجيتها، حيث التضخم له علاقة بالكفاءة والسؤال العام هل الإنتاجية أو المخرجات تعادل ما هو متوافر من موارد مالية وبشرية وإنشائية؟ جامعة الملك سعود لا تنشر تقريرها السنوي، وإن وجد فهو لا يراجع بشكل منهجي من قبل جهة رقابية مستقلة، حيث يقدم لوزارة التعليم / مجلس التعليم العالي سابقا وهي الشريك المساهم في صنع ما يحدث بجامعة الملك سعود! كما أن هيئة الاعتماد والجودة لا تعنى بأحد أهم أضلاع الجودة المتمثل في كفاءة الأداء الاقتصادي والإداري. عموماً، سأعتمد على قراءة البيانات العامة التي تنشرها وزارة التعليم في كتابها الإحصائي، وتحديداً آخر تقاريرها المنشورة على موقع الوزارة.

أول مظاهر التضخم الإداري تتمثل في هذه الكليات التي تتوالد بشكل عجيب بجامعة الملك سعود، حتى تجاوزت عشرين كلية يضاف إليها المراكز الأكاديمية والبحثية والعمادات المساندة الأخرى.

أعرف أن تزايد الكليات والمراكز يشفع للجامعة في الحصول على ميزانية أكبر – للأسف وزارة المالية في ظل تواضع معاييرها التخصصية تراعي عدد الكليات في رصد الميزانية بغض النظر عن الحجم وعدد الطلاب – كما أعرف أن الأكاديميين والمهنيين بصفة عامة يجنحون نحو استقلالية تخصصاتهم، وتزداد هذه الصفة في بيئتنا لما لها من عائد إداري واجتماعي، وكأن تحويل القسم إلى كلية هو ما سيرفع معيار الأداء البحثي أو الأكاديمي.

طبعاً ذلك ليس مبرراً لتوالد هذه الكليات بل هو مؤشر على غياب الرؤية الإدارية الاقتصادية وربما الأكاديمية لدى الجهات العليا بالجامعة.

التوجه الأكاديمي العالمي يجنح نحو اندماج وتلاقح التخصصات والاستفادة القصوى من الموارد، بينما لدينا وكمثال جامعة الملك سعود فتتنافس الكليات إلى مزيد من الكليات ومزيد من الأقسام ومزيد من التخصصات الفرعية.

انظر كم كلية تولدت عن كلية الآداب ومثلها عن التربية والعلوم الإدارية وغيرها؟ أي فائدة أكاديمية تستفاد من وضع كلية لتخصص واحد كخدمات الطوارئ مما اضطرهم لاختراع أقسام وتخصصات داخل هذا التخصص الذي لازال ضيقاً ومحدوداً تعليمه على المستوى الجامعي عالمياً؟ هذا مؤشر تضخم إداري يقود إلى مزيد من العمليات البيروقراطية والمصاريف المالية.

يؤكد ذلك تضخم عدد الإداريين والفنيين الذي بلغ حوالي 19 ألفا، بل انه مؤشر خلل في المنظومة الإدارية للكليات و(شللية) قياداتها، فلو كان تنظيم كلية الآداب أو العلوم الإدارية أو التربية أو غيرها جيداً يمنح كل تخصص ما يستحقه لما جنح كل قسم إلى المطالبة بالاستقلالية.

أحياناً تبدأ المطالبة بالاستقلالية كنتيجة إحباط من تعامل الكلية مع القسم وتخصصاته المختلفة حتى وإن غلفت بالمبررات الأكاديمية.

المظهر الثاني للتضخم بجامعة الملك سعود يكمن في عدد الهيئة التدريسية والموظفين مقابل عدد الطلاب ومخرجات الجامعة. الجامعة فيها 7614 عضو هيئة تدريس فضلاً عن طلاب الدراسات العليا الذين يستفاد منهم في البحث والتدريس – أو هكذا يفترض – والبالغ عددهم 9176 طالباً وطالبة، فضلاً عن أعضاء هيئة التدريس المتعاونين من خارج الجامعة وغير المتفرغين. أما عدد الموظفين الإداريين والفنيين فيبلغ 18973 موظفاً وموظفة.

هل هذه أرقام مثالية أم أنها مؤشر ترهل في الجسد الإداري والتنظيمي للجامعة وضعف في كفاءة الأداء؟ للحكم نحتاج التعرف على إنتاجية هذه الأعداد من الموارد البشرية.

لذلك سيكون سؤالنا القادم، ماذا يعمل أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود وما هي إنتاجيتهم؟

الإجابة في المقال القادم – يوم الأربعاء.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

الاقتصاد والتنمية مصطلحان يترددان باعتبارهما يكمل كل منهما الأخر. الإقتصاد يعنى – لا أضع تعريفات أكاديمية دقيقة هنا- بالوفرة والعرض وبالمصروف والدين والاحتياط وموازنة كل ذلك، كما يردد أهل الاقتصاد. بينما التنمية لها أبعاد تتجاوز ذلك إلى تحقيق متطلبات اجتماعية وبيئية مثل توفير البنى التحتية من طرق وماء وكهرباء بغرض الوصول إلى عدالة توزيع الخدمات، تحقيق الخدمات الاجتماعية الأساسية للفرد كالصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية لكافة شرائح المجتمع، توفير الأمن وغير ذلك من الخدمات . ربما يفهم من ذلك أنهما مفهومان مختلفان وربما بينهما تعارض، حيث التنموي يهتم بتوفير الخدمات المناسبة وبطريقة توزيعها وتحقيقها للمتطلبات الاجتماعية والبشرية والبيئية، بينما الاقتصادي يهمه حجم الدخل والعجز والمنصرف والمتوفر. ولكن في المفهوم الإداري ربطهما ببعض بحيث يسخر الاقتصاد لتحقيق متطلبات التنمية، بل إنه يصبح مطلوباً منه تجاوز المبادئ النظرية البحتة التي تعرف كل مجال على حده، لأجل تحقيق المصلحة الوطنية المتمثلة في التنمية المستدامة التي يمكن إحداثها بأفضل الوسائل الاقتصادية.

نرى في النظم الرأسمالية البحتة تعاني الطبقات الفقيرة والوسطى، لأن الاقتصاد وأهدافة تحقيق العوائد يكون أولوية متجاهلاً بعض المتطلبات التنموية، بينما في الدول ذات السياسات الاجتماعية المتوازنة نجد أن خطط التنمية ذات العلاقة بالعدالة الاجتماعية وتوفير الخدمات لجميع شرائح المجتمع تسبق الإقتصاد، والنظام المتقدم هو من يستطيع الموازنة بين هذا و ذاك أو يستطيع تسخير الاقتصاد لخدمة التنمية بشكل مثالي. على سبيل المثال الدول ذات الصبغة الاجتماعية تحجم عن تخصيص الصحة والتعليم، رغم ما قد يحققه ذلك من أرباح وإزالته العبء عن كاهل الدولة، لأنهما مكون تنموي ذو أبعاد اجتماعية – قد نتوسع في شرحها مستقبلاً.

المملكة كدولة ريعية ذات مصدر واحد للدخل، لم تهتم كثيراً بالجانب الاقتصادي في فترات سابقة بمفهوم تنوع الموارد وتحقيق الربح والتوفير وموازنة الميزانية وغيرها لأنها لم تكن بحاجة ماسة لذلك. هذا أمر يتماشى مع السلوك البشري العام الذي من عادته التراخي في ضبط المصروفات العادية طالما توفرت له الموارد بسهولة. أما وقد انخفضت الموارد بنزول أسعار البترول إلى درجات غير متوقعة، فإنه أمر طبيعي أن يبرز الهاجس والقلق الذي يسيطر على المخطط الاقتصادي من ناحية نقص الموارد وعجز الميزانية وضرورة زيادة الدخل ورفع كفاءة الاقتصاد وغيرها.

لست رجل اقتصاد، ويصيبني الهلع أحياناً من سيادة حديث الاقتصاديين هذه الأيام، حيث من يستمع لهم يشعر أننا قد نمسي في جوع غداً قبل الأسبوع القادم.. أداعبكم أهل الإقتصاد وأحترم فكركم النير، لكن تهمني التنمية وأرجو أن يسخر الاقتصاد لصالح التنمية. كمواطن بسيط، لا يعنيه تفاصيل الموازنة بقدر ما يعنيه تحقق التنمية في أبسط جوانبها؛ تعليم متميز، خدمة صحية جيدة موزعة بشكل عادل على كافة شرائح المجتمع ومناطق البلاد، ماء وكهرباء وخدمات بلدية وبيئية… إلى آخره مما يأتي ضمن مكونات التنمية.

أتمنى وجود خطة تنموية تسبق الخطة الاقتصادية لخمس أو عشر سنوات قادمة. خطة واضحة الأهداف والمكونات والمعايير، وعلى ضوئها نسخر الاقتصاد لخدمة التنمية. لا مانع لدي من الاستدانة لأجل تحقيق هدف تنموي أساسي كتحقيق معدل متفق عليه من حجم ونوعية الخدمة الصحية بكل منطقة من مناطق بلادي أو تقديم تعليم مجاني بمعايير متميزة للجميع و غير ذلك. بمعنى آخر لا أريد تحقيق زيادة في الدخل أو تقليص المصروفات لمجرد فلسفة زيادة الموارد أو موازنة الميزانية، على حساب خدمات التنمية الأساسية. أريد أن نتفق على أهداف تنموية واضحة نلتزم بتحقيقها بغض النظر عن صعود أو نزول الميزانية. أريد ربط التحول الاقتصادي المتعلق بالإصلاحات المالية وضبط الموازنة وغيرها و تسخيره ليكون الأداة المستخدمة في تحقيق أهداف التنمية. عندما توجد الأهداف التنموية الواضحة سيسهل إقناع المجتمع بجدوى التقشفات والاحترازات الاقتصادية والمالية، لأنهم سيتابعون أثرها في ما يتحقق تنموياً.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

قبل خمس سنوات تقريبًا طرحت فكرة نقل كلية الملك فيصل الجوية من الرياض إلى حائل، وكتبت حينها مقالاً مرحبًا بالفكرة، راجيًا أن تكون خطوة أولى تتبعها خطوات بنقل قطاعات أخرى، إلى خارج الرياض. لا أدري ماذا حل بنقل الكلية إلى حائل، لكن هذا الموضوع يقودني إلى تكرار المطالبة بوجود إستراتيجية تسهم في تقليل عدد السكان والازدحام بمدينة الرياض، حيث وصلت المدينة حدودًا أصبحت مزعجة سواء في مجال الازدحام، التلوث البيئي، المتطلبات البلدية والأمنية وغير ذلك من المجالات. مهما فعلنا في توسعة الطرق، ومشروعات الصرف، والمياه، والأسواق والمدارس والمستشفيات، فلن نكن مؤثرين بالشكل الكافي في حل اختناقات المدينة، ببساطة لأن عدد السكان يفوق المتوقع وتخطيط المدينة جعلها مكتظة بشكل غير متوازن في مواقع جامعاتها وقطاعاتها الحكومية والتجارية وغير ذلك.

أحد عوامل اكتظاظ الرياض ليس طبيعتها أو مقوماتها البيئية أو الجغرافية، لكنه عامل تنموي نتج عن تخطيط غير متقن قاد إلى زحف الناس إلى مدينة الرياض. لذلك يجب أن يكون هناك إستراتيجية واضحة في هذا الشأن من معالمها الآتي.

نقل القطاعات الحكومية القابلة للانتقال إلى مناطق أخرى، ومن أمثلتها الكليات ومراكز التدريب العسكرية والأمنية، فليس هناك مبرر لبقاء تلك القطاعات داخل العاصمة. العاملون في السلك العسكري ليس لهم اختيار مناطق عملهم، وربما يكفي ثمن أراض بعض تلك القطاعات بمدينة الرياض ثمنًا لتأسيس مقرات أفضل منها في مدن أخرى بالشمال أو الجنوب. ولنأخذ من وجود تجربة وجود القاعدة العسكرية في كل من تبوك وخميس مشيط عبرة في الدور الذي لعبته تلك القواعد في تنمية المدينتين. نقل الكليات العسكرية والأمنية سيتبعه نقل أو تقليص الخدمات ذات العلاقة الحكومية والأهلية وبالتالي سيسهم في تقليص السكان والزوار. لدينا وزارات وقطاعات حكومية تبحث عن بناء مقار لها ويمكن وفق رؤية تخطيط وطنية شمولية الاستفادة من مقرات المؤسسات التي ستغادر الرياض، إن لم تكن فكرة بيع مقراتها للقطاع الخاص قابلة للتنفيذ.

توجيه المشروعات الكبرى الجديدة، ومن أبرزها المشروعات التعليمية الجامعية باعتبارها مشروعات تستقطب إعدادًا كبيرة وتلعب دورًا تنمويًا سيكون مفيدًا لأي موقع تذهب إليه.

أتمنى منع تصاريح الكليات الأهلية في مدينة الرياض وأن تمنح القائمة منها امتيازات تشجعها للانتقال خارج الرياض، إن لم يكن في المدن البعيدة ففي المدن المحيطة بالرياض. كأن تمنح أراضي مجانية أو قروضًا إضافية أو يضمن لها منح دراسية حكومية محددة لفترة من الزمن – من خمس إلى عشر سنوات. مثل ذلك ينطبق على مقرات البنوك وشركات الاتصالات وغيرها من الشركات الكبرى. تلك الجهات تفضل الرياض لتكامل الخدمات، لكن لنتذكر أنها جهات ربحية وعملها لا يتطلب وجود مقراتها الرئيسة بالعاصمة كما أن وجود مقراتها بمناطق أخرى يسهم في التنمية تلك المناطق…

التوقف عن نقل أو إضافة مقرات حكومية جديدة، ما لم يكن هناك ضرورة لذلك. على سبيل المثال، لم أجد مبررًا كافيًا لنقل مقر هيئة الطيران المدني إلى مدينة الرياض، كما لم أجد مبررًا لوجود مقرات كبرى مثل سابك أو شركة الكهرباء أو شركة المياه.. وغيرها بالرياض.

تنمية ضواحي الرياض (الخرج، المزاحمية، المجمعة وغيرها) عن طريق نقل بعض ما أشرت إليه أعلاه إليها وعن طريق ربطها بالرياض بشبكة قطارات سريعة تحفز الناس للسكن فيها وترك العاصمة وغير ذلك من حلول التنمية..

الخلاصة هي أن مشكلات الرياض لن تحلها شبكة المترو وزيادة حجم الشوارع وزيادة المساكن وغيرها من مشروعات البناء، بل سيحلها تحجيم وتقليص عدد سكانها. لكي تكون الرياض مدينة مريحة يجب اتخاذ قرارات حازمة تسهم في تقليص عدد سكانها بما لا يقل عن مليوني نسمة. لكي تقل ضوضاء الرياض وزحمتها واختناقاتها يجب إعادة عدد سكانها إلى ثلاثة أو أربعة ملايين فقط، ومراقبة عدم تجاوزها ذلك.

...Share

  • Facebook
  • Twitter
  • Add to favorites

مواضيع لاحقة »